IMG-LOGO
Accueil Actualités القاضي سعد الدين مرزوق : امتياز التقاضي منحة قانونية أم محنة إجرائية !
Publié le : 11 Septembre, 2020 - 21:45 Temps de Lecture 1 minute(s) 392 Vue(s) Commentaire(s)

القاضي سعد الدين مرزوق : امتياز التقاضي منحة قانونية أم محنة إجرائية !

IMG

بتاريخ 15 ديسمبر 2011 ، تمت إدانة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بتهم اختلاس أموال عمومية، خيانة الأمانة والحصول على مزايا غير مستحقة والحكم عليه بسنتين حبس موقوفة النفاذ.

أطوار المحاكمة والتي استمرت 18 يوما عرفت إعفاء جاك شيراك من الحضور بأمر من المحكمة، بعد تقديم شهادة طبية تبين معاناة الرئيس السابق من اضطرابات في الذاكرة وترهل في قدراته العقلية، لكون القضية تعود لسنوات التسعينات لما كان المتهم عمدة لبلدية باريس.

لكن الأهم من كل ما تقدم ما جاء في مقتطف من رسالة جاك شيراك للمحكمة "هذه المحاكمة هي بمثابة درس للديماغوجيين والقائلين بأنه في بلادنا، العدالة قاسية مع الضعفاء ومجاملة للأقوياء ، في الجمهورية الكل سواسية أمام القضاء...".

يعد مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء كأصل أحد أهم المرتكزات المعترف بها في مواثيق حقوق الإنسان و الدساتير عبر العالم، وكاستثناء على هذا المبدأ الدستوري أعطت بعض التشريعات إجراءات خاصة تارة ومحاكم استثنائية تارة أخرى لرؤساء جمهورية وموظفين سامين في حال ارتكابهم لأفعال مجرمة، في إطار ما يسمى الإمتياز القضائي أو "التقاضي".

فهل يقصد بهذا المبدأ مفاضلة موظفين فوق العادة على الأشخاص العاديين في المحاكمة والعقاب ؟ ومن هؤلاء الموظفين المستفيدين منه ؟ ومتى يطبق عليهم ؟ وماهي طبيعة الجرائم الخاضعة لهذا النظام أو الإجراء ؟ هل هو حقا وسيلة قانونية للافلات من الملاحقة القضائية وبالتبعية من العقاب ؟ هل حقا تم الغاءه حسب ما تدوالته العديد من الصحف والقنوات بموجب التعديل الأخير لقانون الإجراءات الجزائية..؟

أولا : الامتياز القضائي كنظام محاكمة بموجب النص الدستوري:

جاء نص المادة 183 من المشروع التمهيدي للدستور بأنه تختص المحكمة العليا للدولة بالنظر في الأفعال التي يمكن تكييفها خيانة عظمى، والتي يرتكبها الرئيس أثناء ممارسة مهامه، كما تختص بالنظر في الجنايات والجنح التي يرتكبها رئيس الحكومة بمناسبة تأديته لمهامه.

عدا عدم وجود سابقة قضائية في متابعة رئيس جمهورية في الجزائر تطرح هذه المادة الجديدة القديمة، "دستور 96"، مسألة عدم تنصيب المحكمة العليا للدولة، مما يشكل عائق وحاجز موضوعي لمتابعة رئيس الجمهورية من جهة، ومن جهة أخرى مطاطية مصطلح الخيانة العظمى والذي ينحصر في تشريعات مقارنة في التآمر على أمن الدولة أو الاعتداء على أمن الدولة أوتجاوز السلطة عمدا.

هذا النظام الخاص مستمد في جزء منه من نص المادة 68 من الدستور الفرنسي الحالي "محكمة العدل للجمهورية" ومن المادة 06 من الإعلان الدستورى لسنة 1875 «le président de la république n est responsable qu'en cas de haute trahison»

هل يمكن رؤية أحد رؤساء الجمهورية أمام القضاء الجزائري ؟

كمبدأ عام كرس المؤسس الدستوري عدم المسؤولية الجزائية لرئيس الجمهورية إلا في حالة الخيانة العظمى "la haute trahison " والتي سبق توضيح مجالها ، كما أقر مثوله أمام محكمة خاصة فقط دون غيرها من المحاكم ألا وهي "المحكمة العليا للدولة" ، وذلك أثناء وطيلة عهدته الرئاسية المحددة ب 05 سنوات، فلا يمكن استدعاءه "كرئيس منتخب ممارس" تحت أي طائل أمام الجهات القضائية العادية أو الإدارية أو حضوره حتى كشاهد في قضية ما، لكن هذه الحصانة الكاملة " immunité totale" هي إجراء وقتي ومؤقت "temporaire " ، تنتهي بعد شهر من نهاية عهدته الرئاسية، يمكن متابعته بعدها وفق القواعد العامة المحددة في قانون الإجراءات الجزائية.

Arrêt Cour de cassation fr 22 février 1999 Arrêt cour de cassation fr 10 octobre 2001.

وفي نفس المنحى ، تم إستدعاء رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي شهر مارس عام 2013 في القضية المعروفة بينتاكور Bettencourt liliane ووضعه تحت الاتهام " la mise en examen" ، من طرف قاضي التحقيق لمحكمة بوردو jean Michel gentil و المعروف ب " le magistrat imprévisible" في أروقة وزارة العدل الفرنسية ، والذي جر العديد من الشخصيات في نفس الملف منهم الأمين العام السابق لقصر الرئاسة "الايليزي" في قضية تمويل الحملة الانتخابية لرئاسيات 2007 باستغلال ضعف شخص مسن، وهي الجنحة التي تصل عقوبتها إلى 3 سنوات حبس و 375 ألف أورو غرامة في قانون العقوبات الفرنسي، ليفيده فيما بعد بأمر بألاوجه للمتابعة لعدم كفاية الأدلة.

وعليه وعلى سبيل استلهام الفتوى من التجربة الفرنسية التي تبقى رافدا تاريخيا للتشريع الجزائري، ومن منطلق قانوني صرف نجد أنه لا وجود لمانع قانوني لاستدعاء رئيس الجمهورية السابق السيد عبد العزيز بوتفليقة "على سبيل المثال" شهر بعد انتهاء مهامه كرئيس "ماي 2019" ، على فرض قيامه بأفعال تحتمل وصف جزائي، مع اعتبار مدة "20 سنة كعهدات رئاسية" قاطعة لتقادم الدعوى العمومية أو لسقوط الحق في المواد المدنية.

وباسقاط المثال السابق نجده يرتب ثلاث احتماليات: الوقائع المجرمة السابقة لتولي المهام الرئاسية : الجنح والجنايات من خارج دائرة الخيانة العظمى المرتكبة أثناء الفترة الرئاسية. الأفعال المجرمة بنص القانون بعد انتهاء العهدة الرئاسية بشهر وتسليم المهام بصفة رسمية.

اذا كان الاحتمال الأخير واضح ويضع أي رئيس سابق كمواطن عادي كغيره في حال مخالفته للقانون، فإن الاحتمالين الأولين يثيران عدة إشكالات في ظل عدم صدور القانون العضوي للمحكمة العليا للدولة، وعليه نميل لقاعدة تطبيق الشريعة العامة فيما خلا فيه نص، مع تطبيق مبدأ القياس الجائز في قانون الإجراءات الجزائية أي افادته بامتياز التقاضي.

وعلى نفس النهج أي القياس نجد أن التحقيق مع رؤساء ووزراء سابقين كالسادة سلال وأويحي تم وفق إجراء إمتياز التقاضي المنصوص عليه في المادة 573 ق.ا.ج، بالرغم من أن النص تناول أعضاء الحكومة فقط، أي الوزراء وكتاب الدولة ، في حين يذهب رأي قانوني آخر إلى كون الإجراء باطل بناء على ما سبق أو يرتب إمكانية نقض الأحكام الصادرة ضدهما، في انتظار حسم المحكمة العليا.

ثانيا : إمتياز التقاضي كإجراء بموجب قانون الإجراءات الجزائية:

إمتياز التقاضي كاجراء كان موجودا منذ صدور قانون الإجراءات الجزائية سنة 1966 بموجب نص المادة 573 ومايليها من ق.ا.ج، وعرف عدة تعديلات وفقا للتطورات السياسية الحاصلة بالبلاد، كان يشمل أعضاء مجلس الثورة ثم اعضاء اللجنة المركزية إلى غاية تعديل سنة 1990، أين تم الإبقاء على أعضاء الحكومة "الوزراء" وشمل قضاة المحكمة العليا، الولاة رؤساء المجالس والنواب العامين.

ففي حال ارتكب أحد هؤلاء جناية أو جنحة أثناء مباشرة مهامه أو بمناسبتها وجب اتباع الإجراءات التالية:

1/ إحالة الملف من طرف وكيل الجمهورية عن طريق السلم التدرجي للنائب العام للمحكمة العليا.

2/ رفع الملف للرئيس الأول للمحكمة العليا من طرف النائب العام " إذا ارتأى أن هناك ما يقتضي المتابعة حسب نص المادة بالعربية، في حين تغيب هذه الجملة الهامة في النص المقابل باللغة الفرنسية.

3/ تعيين الرئيس الأول للمحكمة العليا لأحد أعضائها لإجراء تحقيق. 4/ قيام المستشار المحقق بالتحقيق في الوقائع المنسوبة لهم. 5/ تسند اختصاصات غرفة الاتهام لتشكيلة من أعضاء المحكمة العليا.

يعني أنه بموجب النص القديم لسنة 1990 فان الخروج عن القواعد العامة يتمثل في كون التحقيق القضائي بدرجتيه يتم على مستوى المحكمة العليا، ثم تعود الأمور للسير العادي وفق القواعد العامة بعد الإحالة ، أي أنه ليس امتيازا un privilège بمفهوم المفاضلة faveur concession بل مجرد "délocalisation de l instruction" على مستوى المحكمة العليا الغاية التشريعية منها حماية الوظيفة بالأساس وليس شخص الوزير أوغيره من الفئات المذكورة بنص المادة 573 ق.ا.ج لكون مناصبهم حساسة ووجود شكاوى كيدية قد تؤثر على أدائهم.

وبالنتيجة على قطاعات حيوية بالدولة لذلك ارتأى المشرع آنذاك تحويل الملف للمحكمة العليا لخبرة وتجربة قضاتها التي لا تقل عن 20 سنة عمل قضائي فعلي، والتي تسمح لهم بموازنة الأدلة والقرائن وكفاياتها من عدم ذلك لتوجيه الإتهام " وهو ما أضافه المشرع في نص المادة باللغة العربية دون الفرنسية كما سبق توضيح ذلك.

هل ألغى المشرع إمتياز التقاضي كإجراء بموجب تعديل 2020 ؟

حسب ما جاء في العدد 51 للجريدة الرسمية المؤرخة في 31 أوت 2020 ، أصبح نص المادة 573 ق.ا.ج ينص على أنه إذا كان أحد أعضاء الحكومة أو أحد قضاة المحكمة العليا أو مجلس الدولة أو محكمة التنازع أو أحد الولاة أو رئيس أحد المجالس القضائية أو إحدى المحاكم الإدارية أو النائب العام لدى مجلس قضائي أو محافظ الدولة لدى محكمة إدارية، قابلا للاتهام بارتكاب جناية أو جنحة أثناء مباشرة مهامه أو بمناسبتها، يحيل وكيل الجمهورية الذي يخطر بالقضية، الملف، بالطريق السلمي على النائب العام لدى المحكمة العليا الذي يخطر الرئيس الأول للمحكمة العليا الذي يعين محكمة أخرى لمباشرة إجراءات المتابعة والتحقيق والمحاكمة.

واستثناء لا تطبق أحكام الفقرة الأولى إذا أبدى وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي التماسات بالمطالبة بملف الإجراءات خلال مرحلة التحريات الأولية للمتابعة.

ولا تحرك الدعوى العمومية في الحالات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من نفس المادة إلا من النيابة العامة.

وعليه يمكن القول : 1- أن تعديل المادة 573 لم يلغ إمتياز التقاضي كإجراء. 2-أعاد التحقيق بدرجتيه للقضاء العادي بعدما كان بالمحكمة العليا لكونها محكمة قانون وقضاتها ليسوا قضاة موضوع . 3- لكون الإستئناف في أوامر المستشار المحقق يتم الطعن فيه أمام نفس الجهة ألا وهي المحكمة العليا. 4- لم يواكب تعديل المادة 573 من قانون الإجراءات الجزائية لسنة 2020 والخاص بإمتياز التقاضي تعديل المادة 542 من نفس القانون والتي جاءت هي الأخرى سنة 1990 والمتعلقة بشهادة اعضاء الحكومة " تقدم مكتوبة ودون حضور الوزير " وهو ما يناقض جوهر الشهادة دون أداء اليمين القانونية وفقا للمواد 88 ومايليها والمواد 200 ومايليها .

الإشكالات القانونية المترتبة على إجراء إمتياز التقاضي:

منذ صدور قانون الإجراءات الجزائية سنة 66 إلى غاية 2019 لم يطرح أمام القضاء الجزائري ملفات تتعلق بالفئات المذكورة بنص المادة 573 سوى في حالات نادرة " قضية والي وهران السابق بشير فريك، ووالي الطارف" ، وكذا قضية سوناطراك والتي تناولها النائب العام لمجلس قضاء الجزائر آنذاك في ندوة صحفية وتحدث عن متابعة وزير الطاقة السابق وابنيه " ذكر كلمة نجليه دلالة على غياب الوعي بأبسط القواعد القانونية والمتمثلة في مبدأ شخصيةالمسؤولية الجزائية والعقوبة الجزائية " ليعلن في الأخير " النائب العام للعاصمة " عن صدور أمر بالقبض الدولي في حق الوزير السابق ، دون المرور بقاعدة امتياز التقاضي وفحص شرعية الاجراءات ،وهو الأمر الذي ينم عن جهل فاضح و قصور في الفهم ، أو كان صاحبه مجرد ارتداد وبوق في مسرحية سيحتفظ بها التاريخ القضائي طويلا ، فالاهمال الإجرائي الخطير والقفز في الفراغ من شأنه تمكين المتهمين أو محامهيم " الدوليين " بالدفع ببطلان اجراءات الأمر بالقبض أو إيقاف وتعطيل إجراءات التسليم l'extradition.

وبالرغم من التعديل الأخير لايزال نص المادة 573 يطرح عدة إشكالات عملية منها عدم تحديده للوقائع و الأفعال المرتبطة les actes rattachables بالمهام الوزارية من غيرها les actes détachables أو الأفعال الغير مرتبطة ، وتكمن أهمية التمييز بينهما في تحديد الإختصاص والمسار الإجرائي للملف في حال ارتكاب أفعال مجرمة من طرف أحد الفئات المذكورة بنص المادة 573 ، وهو ما استقر عليه قضاء محكمة النقض الفرنسية " بأنه في حال غياب أي ارتباط بين الوقائع المتابع بها والوظيفة الوزارية يعطى الإختصاص لجهات القضاء العادي " أي دون المرور للاجراءات المحددة في نص المادة 573 ق.اج.

فالوزير على سبيل المثال الذي يقود سيارته في حالة سكر " conduite en état d ivresse " او يرتكب جنحة عدم تسديد نفقة le non payement d une pension alimentaire " لا يستفيد من إجراء إمتياز التقاضي حتى أثناء ممارسته لمهامهه الوزارية بصفة فعلية و يخضع للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية.

كما تطرح "المحكمة العليا للدولة" بعد تنصيبها وصدور القانون العضوي المنظم لها مسألة تعدد الاحكام وتناقضها في حالة متابعة رئيس الوزراء أو رئيس الحكومة، مسألة وجود فاعلين أصليين مساعدين coauteurs أو شركاء له complices ، هل يتم النظر في الملف برمته وباطرافه أمام المحكمة العليا للدولة أو يتم الفصل بين المتهمين ومثولهم أمام الجهات القضائية العادية في المتابعة والتحقيق والمحاكمة، وهو الأمر الذي من شأنه إعطاء أحكام متناقضة، وهذه الاحتمالية من الناحية الإجرائية المحضة غير مستبعدة في حال قررت المحكمة العليا نقض القرارات الصادرة ضد رؤساء وزراء سابقين " اويحي، سلال.." واحالتهم على المحكمة العليا للدولة "بعد تنصيبها" ومثول آخرين معهم من غير ذوي الصفة أمام القضاء العادي.

وخير مثال " قضية شارل باسكوا charles pasqua أين تمت تبرئته من جنحة رشوة فيما عرف بقضية alstom من طرف محكمة العدل للجمهورية في حين تمت إدانة الفاعل الاصلي المساعد لدى مثوله أمام القضاء العادي.

وبالتأسيس على ما سبق يستبعد القول أن المخالفات contraventions المرتكبة من طرف رئيس الوزراء والفئات المذكورة بنص المادة 573 من الإجراءات الجزائية سواء قبل أو بعد تعديلها، تقع خارج سلطة المحكمة العليا للدولة " juridiction spéciale " ، وخارج نطاق إجراء إمتياز التقاضي ويجوز متابعتهم بشأنها وفق الأطر القانونية العادية.

ومن باب النقاش العمومي المفيد للوطن والعدالة وجب التنويه، بإلغاء الامتياز القضائي بتونس بعد ثورة الياسمين تلبية للمطالب الشعبية، ليصبح جميع المتقاضين متساوون أمام القضاء، وذلك بموجب دستور 2014 الذي منع احداث محاكم خاصة أو اجراءات استثنائية من شأنها المساس بمبادئ المحاكمة العادلة.

Laissez un commentaire